عوالق من الذاكرة ..
(1)
ما لون الماء .. ؟
سألت المعلّمة وتشكل ثغرها ليكوّن ابتسامة ترقب وتحدّي وأخيراً سخريّة
من إجابات الأطفال التي بدأت تتهافت عليها ..
فمنهم من قال .. أبيض ..
وآخر .. أزرق ..
وليبتدع أحدهم بقوله .. يتلون الماء كما تتلون السماء ..
في النهار يكون أزرق وفي الليل أسود .. !
وكانت هناك طفلةً خجولة .. تجلس في آخر الصف ..
مسافرة بذهنها .. وشاردة بعينيها ..
.. حالمة كطير نورس يحلق بعيداً في السماء ..
تحاول بشتى قدراتها .. أن تلتقط إجابة للسؤال وتأتي بها ..
لعلّ وعسى .. أن تكافئها المعلّمة بملصق نجمة ..
أو أن تجعل اسمها يزهو ويتراقص ويتبختر على لوحة الشرف ..
أتت بإجابة .. وهي أن الماء لونه شفاف ..
وبينما هي تغالب و تغالب خجلها .. لتنطق بالإجابة ..
ولكن الخجل غالبها ..
وآثرت الصمت على ضحكات السخرية التي قد يطلقها الآخرون ليستهزئون بإجابتها ..
واحتفظت بها .. !
لتحلّ المعلّمة شفرة اللغز الذي عجز الجميع عن حلّه ..
وتقول : أن الماء لا لون له ..
فتموت الطفلة حسرة .. وتكابد طوال اليوم عناء مداراة دمعتها ..
لو أنّها .. حــــــــاولت .. !
(2)
عند التحاقي للسنة الأولى من الصفوف الدراسيّة ..
و تعلّمي الأول لأبجديّات الحروف
وقفت معلمتي تقول .. وبصوت حاد يشبه الصريخ (مازال إلى الآن يدندن برأسي )
زَ رَ عَ ... و ... حَـصَـدَ
والجميع يردد .. وبالطبع كنت أنا جزء من الجميع ..
وفي ظل ظروفي تلك .. وقدراتي الاستيعابية المحدوده ..
وإدراكي البسيط لغياهب الأشياء وكنهها ..
لم أكن أعيي .. المعنى الحقيقي والعميق لهاتين الكلمتين البسيطتين ..
نطقاً .. ومعنى .. وترادفاً ..
لماذا ترادفاً .. ؟!
لماذا تكون هاتين المفردتين بالذات مترادفتين ؟!
تماماً مثل ... عبارة 1+1=2
فمن غير المنطقي أن يكون الناتج الفعلي للمعادلة يساوي 5 مثلاً ..
وبالتالي .. من غير المنطقي أن يكون مرادف زرع .. كتب !
وعلى هذا ..
الجمـــــــــــيع يعلــــــم .. بأن لكل عمل جزاء .. وللصالح منه ثواب .. وللطالح عقاب !
فعندما تزرع حبوب جيدة في تربة خصبة وتعتني بها عناية فائقة و مستمرة ..
من الضروري أن تحصد كالذي زرعته تماماً ..
والعكس صحيح ..
فازرع .. لتحصد .. خيراً أو شراً .. وفق ما زرعته ..
(3)
جلستْ الأم المرهقه .. وهي تقاوم النعاس .. وتثاقل جفنيها ..
وتثاؤبها بين الفينة والأخرى
لتحكي لطفليها حكاية ما قبل النوم ..
" وحدوا الله ..
لا اله إلا الله ..
كان يا ما كان في قديم الزمان فيه ثلاث أخوات ..
......
.........
.......
واتزوجت الأخت الصغيرة الأمير .. وعاشوا في سبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات .. "
" يللا يللا نوووووم .."
وهم لا يتحركون .. ولا يستجيبون لأوامر الأم ..
بل أخذوا يطالبون بقصة أخرى ..
لأن النعاس لم يغالبهم .. والنوم لم يتسرب إلى أعينهم .. ويغمضها ..
وبدون أن تدرك الأم بأنها عند سردها للقصة .. كمن أشعل فيهم روح اليقظة ..
وأغرقتهم بأحداث قصة خيالية .. أطلقت العنان لتساؤلاتهم اللانهائية والسخيفة ..
" أنا قلت يللا ننااااام .." بلهجة ملؤها صرامة و حزم ..
ولم يستجب الطفلان ..
" ماما بس حكايه وحده وننام على طول .. "
وبنبرة غضب .. "ماعندي حكايه .. والله إذا ما نمتوا الحين ..
راح تجيكم (عافية ربي) ..
تأكل الأطفال اللي ما ينامون بدري واللي ما يسمعون كلام أمهم ... !"
فأخذتهم الرجفه .. واتسعت محاجر أعينهم خوفاً .. وشدقوا بأفواههم رعباً ..
وانتفضوا بكل سرعة ليلتصقوا بأمهم ويحتمون بها من هذا الكائن الغريب ..
الذي يدعى (عافية ربي) .. !
وهم لا يعلمون بأن الذي صنع هذا الوحش وأوجده في مخيلتهم
هي نفسها التي يلتصقون بها !
لتسفر الأم عن ابتسامة ندم يعتصرها .. لأنها أفزعت طفليها ..
بينما يتحتم عليها طمأنتهم .. وزرع الأمن في نفوسهم ..
وبكل دفء ربتت على كتفي طفليها .. واحتوتهم بحنان ..
ليغرقا بعد ذلك في نوم لذيذ عميق .. !
(4)
أعود بذاكرتي إلى الوراء .. في نفس هذه الأيام من السنة ..
حيث الجو .. الذي يشحن الأنفس ويحرضها للخروج في (كشتة برّ)
والهبوب الباردة تصافح الأطراف وتلفح الوجه لتلسعه بروده .. !
هناك .. حيث البرّ .. والرمال .. والحصى ..
وبعض المخلوقات المتكيّفة مع تقلبات الصحراء ..
فمن حرارة الشمس المتوهجه المحدقة بعين قويه
إلى أخرى تتوارى خجلاً خلف الغيوم و تبعث برودة الصقيع .. !
هناك .. حيث العائلة .. اجتمعنا ..
وبين هرج ومرج .. وضوضاء (جمعه)
انسحبنا أنا وأخي الذي يصغرني بعام ونصف العام إلى باحة مناسبة ..
لنتسابق .. (والشاطر اللي يسبق الثاني) ..
1
2
3
وانطلقنا
نعدو
و
نعدو
وروح المنافسة تحلق حولنا .. والحماس يلفنا ..
وفجأة ..
وبدون سابق إنذار
وبكل صفاقة ..
يرمي وبقوة (خالي ماجد) >> العلّة من ذكر اسمه هو التشهير به وفضحه ..!
حجراً ..
ليتخذ هذا الحجر من رأسي مسقطاً له ..
ويحفر كمن يحفر عن ينبوع لتتدفق الدماء ..
وأدوخ .. وأقع .. وأرى النجوم تدور حولي ..
وفي ظل ترنحي بين الحقيقة والخيال ..
أسمع صرخات أمي وهي تحملني بين يديها ..
لتنقلني على الفور إلى المشفى ..
حيث أسعفوني وخاطوا رأسي بعدد (4) من الغرز
(بسيطة الحمد لله)
وبعدها بدوا باستجوابهم ..
من المسئول عن (فضخ) رأس الطفلة ؟
لأفوق من سكرة البنج وأجد نفسي أني قد وقعت من على الدرج !
(عملوا الموضوع)
مجرد .. حادثة .. !
ودمي المهدور .. >> يا لطيف يا ربي حاقدة .. !
ملاحظة : تتوقعون ليش رمى خالي الحجر علينا ؟
ماكان فيه أذيه متعمده ..
كان ينوي بالحجر أنه يصقع قدامنا ونلتفت ويشير لنا بالعودة ..
كنا منطلقين .. وهو (خايف علينا) >> امحق خوف !
وكـــــــــــــــــــــــــل عام وأنتم بخير
عيد أضحى مبارك ..
NICE
|