يا للمفارقات العجيبة .. !
كان يا ما كان .. في قديــــم الزمان .. وفي سالف العصر والأوان ..
كان هناك أختان .. إحداهنّ تدّعى حنان (الكبرى) والأخرى تدعى إيمان (الصغرى)..
أمّا إيمان .. فهي مخلوقة ضئيلة الجسم .. دميمة الخلقة ..
تتنافر ملامح وجهها على نحو ملحوظ ..
وينتصب (خشمها) متمركزاً بمنتصف وجهها و محتجباً - بقايا - الملامح عن الرؤية ..
وجهها المطابق في وصفه تماماً حبة اللوز ..
ودائماً ما تقف شعرات رأسها متمردة على الانسياب والنعومة ..
أضف إلى ذلك أنها منطفئة بلون أسمر باهت ..
وتملك بؤبؤي عينين يميلان إلى التضارب بين الفينة والأخرى ..
ومن الجدير بالذكر أنها كانت صديقة لي منذ صفوف دراستي للمرحلة المتوسطة ..
وحتى ذلك الحين فارقتني .. وبعد مضي 5 سنوات على الفراق ..
تجدد اللقاء .. في مناسبة (شبكة) إحدى الصديقات ..
وعندما التقينا في غمرة ضوضاء ابتهاج وفرح .. عهدنا إلى العناق وتبادل القبلات
والسؤال عن الحال .. وكان قد برز لها بطن وعلّة بروزه جنين ..
فباركت لها زواجها وحملها .. متمنية لها (ومن قلبي) ولادة ميسره ..
وخلال لحظة سكون ..
تهيجت ذاكرتي .. لتعود للوراء حيث فناء المدرسة .. و (شلتنا) القديمة
كنا قد جلسنا مشكلين دائرة .. متلاصقين .. نقهقه بسخافة على اللاشيء ..
ونتدافع إحدانا الأخرى لنحتل الصدارة .. أو لنجلس بجانب (رئيسة الشلة) ..
وجلبنا قارورة كولا فارغة .. وهلم بنا لنعلب لعبة .. (حقيقة & أمرّ )
وكلما أدرنا القارورة .. تعالت صيحاتنا بحماسة وعبطاً وسُخفاً ..
وأخيراً استقرت فوهة القارورة لتُستَجوب .. إيمان ..
وليأتي سؤال أخرق يتناسب و عقلياتنا وسذاجتنا المحضة آنذاك ..
" وش هي مواصفات فارس الأحلام ؟ "
وهتفنا بصوت أشبه للعويل .. " أووووهـ .. ! "
وقد تشدقت أفواهنا لــ جرأة السؤال - الماصخ - ..
وردت بسذاجة أعمق من سذاجة السؤال نفسها ..
وقد توردت وجنتاها - الشاحبة المندفنه - خجلاً ..
" أمممم .. أبغاه طويل مرره .. وجسمه عضلات .. يشيل حديد ..
وأشوفه وهو يركض على البحر .. ويضحك لي " ..
وتفجرت ضحكاتنا مشجعة جرأتها و وقاحتها .. اللا مألوفه .. في ذلك العهد القديم .. !
وعندما كنتُ قد استرسلت بعيداً في عبق الذكريات المتهالكه ..
أمسكت إيمان بيدي لتعيدني للحاضر ولتصرخ بأذني ..
- حيث أن صوتها أمسى من الصعب التقاطه في ظل قرع الدفوف ونشاز صوت الطقاقه -
" تعالي معايا أوريكي أمي وأختي .. "
فبدأت بأمها الوقور التي تشبه إيمان تماماً من حيث ضآلة الجسم والملامح ..
فسلمتُ عليها بخجل .. مبتسمة و مقارِنة لنقاط التشابه الكبير بينهما ..
وقد بدا في أسفل ذقنها - العلامة الفارقة - .. وشم (خط أخضر متعرج) ..
كانت قد نقشته خلال أيام الجاهلية الغابرة .. !
معتقدةً أنها ستحظى بشيء من (الزين) المتعسر عليها
وهمهمت الأم بكلمات مبتورة مبهمة متراخية الحس ..
ولم يصلني شيء ..
ولم أرى سوى فتح الشفتين وإطباقهما المتكرر على نحو بدا لي غامض ..
وبت أردد .. " الحمد لله أنا بخير .. يا خاله "
واستدارت إيمان على الجانب الآخر حيث شقيقتها ..
وقالت .. " وهذي أختي حنان "
وتلفت أبحث .. عن الشقيقة - التي أعتقدتُ أنها - الشبيهه ..
نتاج صدغهما واحد وأبويهما واحد ..
وهــــــــــــــــــــــناك ..
كانت حنان - وهي على النقيض من شقيقتها إيمـــان -
مخلوقة فتية بهيّة الطلعه ..
كان لها قسمات وجهه متناغمة دقيقه ..
وعينان واسعتان جميلة تتوقد حذاقة وذكاء .. وغموض فاتن ..
تطوقها أهداب طويلة ظليلة بسحر بالغ الرقة ..
ويعلوها حاجبين متعالية بزهو وفرح و يضيفان على ملامح الوجه وضوحاً شديداً ..
وجبين ناعم وضّاح ..
و شعر خصب غزير كالح مسود ..
أضف إلى ذلك توهجها بلون أبيض بض .. متقد .. مثير ..
وأخذني الدهش وأنا أرنو إلى هذه المخلوقة الوسيمه ..
وأتساءل " معقووووله هذي أخت إيمان ؟ .. "
وهنا قالت إيمان و كأنها قرأت أفكاري .. " ما تشبهني " ..
وأضافت بنبرة من الأمل .. " صح ؟ "
وباعدت بين ذراعي إشارة إلى الاختلاف الشاسع بينهما ..
وأضفتُ .. مستجوبه .. " حنان .. أنتي متزوجة ؟ "
فأجابت بشيء من الانزعاج المصاحب لتقطيب الحاجبين .. " لا "
وأردفت قائلة بنبرة مواساة .. واضعة بعين اعتباري أنها الأخت الكبرى والجميلة ..
" الله يرزقك بولد الحلال "
وبلهجة ملؤها الصرامة .. وبعصبية ما خلت من الغلو .. " ما فيهم ولـــد حلال .. ! "
وتلفظت بعبارتها الأخيرة تلك بطريقة يقينية بحته ..
جعلتني راضخة تحت وطأة الصمت المطبق .. مقرةً على مبدئها .. دونما اعتراض
علماً بأن لي نفس تواقة إلى المجادلة .. والمشاكسة ..
حتى لو أن الرأي الآخر مطابق لرأيي .. أعارض ..
>> زعيمة الخط الاعتراضي .. !
دُهشت من مبدأها وطريقة صياغته .. فحانت مني التفاته لشقيقتها .. القابعة أمامي ..
فأشاحت بوجهها بعيداً عني .. قاصدة بأنها " كأني لم أسمع شيئاً " .. !
وما كان مني إلا أن أطلقت ضحكة مكبوتة ومرهونة بعبء الموقف الثقيل
الذي نرزح تحت وطأته .. مخففة من حدة الموقف .. !
وبعدما تداركت نفسي و راجعت حساباتي ودققت في أفكاري ..
ومضت من عتيق ذاكرتي - حقيقة - أن حنان خضعت لتجربة زواج مؤلمه ..
.. فشلــــــــــت فيها ..
وحالياً .. تنتحل لقب مطلقه ..
وصدق اللي قال .. " إذا عُرف السبب بُطل العجب "
ويا للمفارقات .. المتناغمه ..
بقلم .. NICE
جميع الحقوق محفوظة .. ©
|